ناس الغيوان ............
كم كان سهلا أن نسمع الآهات الحزينة المنبعثة من حناجر "مجاذيب مجموعة ناس الغيوان" وراء دموع الأمهات المتلفعات بالرداء الأطلسي، الأمهات اللواتي تحملن مشقة الصعود إلى منصة جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي أنشئت لمداواة جراح الماضي والاستماع -لأول مرة- لمواطنين كانوا محرومين من مواطنتهم إلى عهد قريب، وكان من غير المسموح لهم بتجاوز عتبات بيوتهم بضعة أمتار دون إذن من السلطات المحلية... وحدها مجموعة ناس الغيوان كانت منبر بوح واستماع في "سنوات الرصاص" أو "سنوات الجمر" المغربية. قد يبدو الأمر مجرد انطباع، ولكن الاستماع من جديد إلى أغاني مجموعة ناس الغيوان، بعد مرور كل هذه السنوات، وبعد انكشاف واقع المغرب بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والسياسية، في إطار محاولة طي صفحات الماضي، وفتح صفحات تاريخية جديدة، يساعد على وضع هذه المجموعة التي كان لها صدى عالمي في سياقها التاريخي. "أولاد أمهاتنا".. روح النضال تغنت مجموعة ناس الغيوان بكلمات كانت مصدرها عمق المجتمع، ولم تنسج داخل صالونات فاخرة، أو وراء مكاتب منعزلة. يقول عمر السيد (رئيس فرقة ناس الغيوان) بأن أغلب الكلمات التي تغنت بها المجموعة والتي كانت من إبداع أحد عمالقتها مثل بوجميع، أو العربي باطما، كان مصدرها الأصلي الوالدين، وخصوصا أمهات كل من العربي وبوجمعة وعمر. ويضيف عمر في حواره مع "إسلام أون لاين.نت" أن وراء مجموعة ناس الغيوان كانت أمهات بدويات أميات، لكنهن كن فيضا من الحكمة والعطف والحنان، كما أن أحاديثهن كانت مرصعة في الغالب بالحكم والأمثال الشعبية، فكانت هي المدرسة الأولى للأركان التي أسست مجموعة ناس الغيوان. ورغم أن الدراسات التي كتبت حول المجموعة كثيرة فإنها في الغالب ركزت حول الإيقاعات، والألحان، وبعض الجوانب الإنسانية، ولم تتغلغل كثيرا في الشخصيات التي كانت عنوان مجموعة غنائية لا يمكن اعتبارها فقط بصمة لفترة زمنية في تاريخ المغرب، بل يمكن التأكيد أنها كانت انعكاسا حقيقيا وصادقا لمرحلة كاملة. وفي هذا السياق تقف أغلب الكتابات التي اهتمت بالظاهرة الغيوانية عند الحديث عن كون العربي، وبوجميع وعمر.. جاءوا من الحي المحمدي بالدار البيضاء، لكن القليل من المحبين للأهازيج الغيوانية يعرفون أنهم لم يتابعوا دراستهم، وأنهم عاشوا حياة هامشية أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب. كما كان بعضهم يتعرض للرش بالمبيدات الحشرية، ويقتات من فضلات المزابل في طفولة بئيسة، يتقاسمها معهم آلاف الأطفال الذين أرغمت السلطات الاستعمارية آباءهم المهاجرين من الأرياف بسبب المجاعات وتوالي سنوات الجفاف، على العيش في "كاريانات" أو عشش خصصت للعمال في المصانع على هامش المدن التي لم يكن مسموحا بولوجها إلا للفرنسيين أو لأبناء العائلات المغربية الكبيرة، أو الذين سبقوا المستعمر للاستيطان بالمدينة. كما أن أعضاء المجموعة وجدوا في مسرح "الطيب الصديقي" متنفسا جديا خارج دروب وأزقة الحي المحمدي قبل أن يجرفهم نهر الغيوان وينطلقوا في مسار غامض، ما زال محتاجا لأكثر من رحلة استكشاف. يقول عمر السيد مزهوا إن أحد أصدقائه من المثقفين قال له إن العبقرية تورثها الأمهات وليس الآباء، وإن أغلب العباقرة تكون لهم علاقات متميزة مع أمهاتهم، ويضيف: لقد فهمت بعد سنوات من تجربة ناس الغيوان، لماذا استطعنا أن نصنع شيئا متميزا.. ببساطة لأننا كنا "أولاد أمهاتنا".
كم كان سهلا أن نسمع الآهات الحزينة المنبعثة من حناجر "مجاذيب مجموعة ناس الغيوان" وراء دموع الأمهات المتلفعات بالرداء الأطلسي، الأمهات اللواتي تحملن مشقة الصعود إلى منصة جلسات الاستماع التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي أنشئت لمداواة جراح الماضي والاستماع -لأول مرة- لمواطنين كانوا محرومين من مواطنتهم إلى عهد قريب، وكان من غير المسموح لهم بتجاوز عتبات بيوتهم بضعة أمتار دون إذن من السلطات المحلية... وحدها مجموعة ناس الغيوان كانت منبر بوح واستماع في "سنوات الرصاص" أو "سنوات الجمر" المغربية. قد يبدو الأمر مجرد انطباع، ولكن الاستماع من جديد إلى أغاني مجموعة ناس الغيوان، بعد مرور كل هذه السنوات، وبعد انكشاف واقع المغرب بأبعاده الإنسانية والاجتماعية والسياسية، في إطار محاولة طي صفحات الماضي، وفتح صفحات تاريخية جديدة، يساعد على وضع هذه المجموعة التي كان لها صدى عالمي في سياقها التاريخي. "أولاد أمهاتنا".. روح النضال تغنت مجموعة ناس الغيوان بكلمات كانت مصدرها عمق المجتمع، ولم تنسج داخل صالونات فاخرة، أو وراء مكاتب منعزلة. يقول عمر السيد (رئيس فرقة ناس الغيوان) بأن أغلب الكلمات التي تغنت بها المجموعة والتي كانت من إبداع أحد عمالقتها مثل بوجميع، أو العربي باطما، كان مصدرها الأصلي الوالدين، وخصوصا أمهات كل من العربي وبوجمعة وعمر. ويضيف عمر في حواره مع "إسلام أون لاين.نت" أن وراء مجموعة ناس الغيوان كانت أمهات بدويات أميات، لكنهن كن فيضا من الحكمة والعطف والحنان، كما أن أحاديثهن كانت مرصعة في الغالب بالحكم والأمثال الشعبية، فكانت هي المدرسة الأولى للأركان التي أسست مجموعة ناس الغيوان. ورغم أن الدراسات التي كتبت حول المجموعة كثيرة فإنها في الغالب ركزت حول الإيقاعات، والألحان، وبعض الجوانب الإنسانية، ولم تتغلغل كثيرا في الشخصيات التي كانت عنوان مجموعة غنائية لا يمكن اعتبارها فقط بصمة لفترة زمنية في تاريخ المغرب، بل يمكن التأكيد أنها كانت انعكاسا حقيقيا وصادقا لمرحلة كاملة. وفي هذا السياق تقف أغلب الكتابات التي اهتمت بالظاهرة الغيوانية عند الحديث عن كون العربي، وبوجميع وعمر.. جاءوا من الحي المحمدي بالدار البيضاء، لكن القليل من المحبين للأهازيج الغيوانية يعرفون أنهم لم يتابعوا دراستهم، وأنهم عاشوا حياة هامشية أثناء الاحتلال الفرنسي للمغرب. كما كان بعضهم يتعرض للرش بالمبيدات الحشرية، ويقتات من فضلات المزابل في طفولة بئيسة، يتقاسمها معهم آلاف الأطفال الذين أرغمت السلطات الاستعمارية آباءهم المهاجرين من الأرياف بسبب المجاعات وتوالي سنوات الجفاف، على العيش في "كاريانات" أو عشش خصصت للعمال في المصانع على هامش المدن التي لم يكن مسموحا بولوجها إلا للفرنسيين أو لأبناء العائلات المغربية الكبيرة، أو الذين سبقوا المستعمر للاستيطان بالمدينة. كما أن أعضاء المجموعة وجدوا في مسرح "الطيب الصديقي" متنفسا جديا خارج دروب وأزقة الحي المحمدي قبل أن يجرفهم نهر الغيوان وينطلقوا في مسار غامض، ما زال محتاجا لأكثر من رحلة استكشاف. يقول عمر السيد مزهوا إن أحد أصدقائه من المثقفين قال له إن العبقرية تورثها الأمهات وليس الآباء، وإن أغلب العباقرة تكون لهم علاقات متميزة مع أمهاتهم، ويضيف: لقد فهمت بعد سنوات من تجربة ناس الغيوان، لماذا استطعنا أن نصنع شيئا متميزا.. ببساطة لأننا كنا "أولاد أمهاتنا".
Post a Comment